رأي في قرار ” التعليم نص نص “

شأنكم25 أغسطس 2020آخر تحديث : منذ سنتين
شأنكم
أخباروجهة نظر
شأنكم

بقلم عبد العزيز بوسهماين
في سياق توضيحه لملابسات ” بلاغ الليل ” أكد السيد وزير التربية الوطنية الناطق الرسمي باسم الحكومة أنه ، و بتشاور مع وزارة الصحة ووزارة الداخلية وتحت اشراف السيد رئيس الحكومة ، تم إقرار صيغة التعليم عن بعد بداية الموسم الدراسي بالموازاة مع التعليم الحضوري الذي يبقى مسألة اختيارية للآباء ، كما أكد أن الوضع الوبائي الحالي لبلادنا جد مقلق ، وان الأطفال من السن السادسة الى العاشرة لا يُطلب منهم ارتداء الكمامات لأنهم لا يتأثرون بالفيروس …
اليوم سندع الجانب السياسي جانبا ولا نخوض في البلاغ من حيث هو قرار سياسي ناتج عن حكومة لا تحكم شيئا ، بل سنناقش السيد الوزير الحاصل على الدكتوراه في البيولوجيا من الزاويتين الصحية والتربوية لقرار”التعليم نص نص ” .
ولنبدأ بالجانب الصحي فنقول للسيد الوزير بلسان المتتبع للشأن الصحي : اذا كان الوضع الوبائي لبلادنا جد مقلق حسب تعبيركم ولا يدعو للتفاؤل حسب تعبير ملك البلاد ، واذا كنتم قد أوقفتم الدراسة حضوريا خلال الموسم الدراسي المنفرط بتاريخ 16 مارس 2020 ولم تسجل بلادنا أنذاك سوى أقل من أربعين حالة إصابة بفيروس كوفيد 19 وفي جهات ومناطق محدودة جدا ونحن اليوم نسجل أزيد من ألف حالة يوميا منتشرة عبر ربوع الوطن ، ألا يقتضي ذلك عدم التفكير بشكل نهائي في صيغة التعليم الحضوري حتى لا نخاطر بحياة المزيد من الأسر التي قد ينقل اليها أبناؤها الفيروس فينتقل الى العائلة ثم الجيران ثم القبيلة ، أو يحدث العكس فينقل احد افراد الاسرة الفيروس للتلميذ الذي سينقله بدوره الى المؤسسة فيصاب به الأطر والتلاميذ ، واليكم ان تتخيلوا كم من الأسر ستصاب ؟ الا اذا كانت لديكم معطبات علمية تؤكد لكم تراجع الفيروس عن شراسته او رغبتكم في محاربته عبر تقنية “مناعة القطيع ” .
ثم كيف يمكن للمؤسسة ، سيدي الوزير ، أن تضمن سلامة التلاميذ من عدوى الفيروس ؟ هل مؤسساتنا ، ونحن أهل الميدان ، تتوفر على الإمكانيات الكفيلة بتنفيذ البروتوكول الوقائي من عدوى الفيروس الذي يتربص بضحاياه كالشبح عبر وسائط متعددة وخاصة مع صعوبة التحكم في حركات وسلوكيات الأطفال سواء داخل فضاء المؤسسة أو داخل القسم أو في الطريق من والى المؤسسة ؟ ثم هل سيرتدي أطر المؤسسة وزرة وزارة التربية الوطنية أم وزرة وزارة الصحة أم زي الوقاية المدنية … ؟ أم ان وزارتنا السعيدة ستقوم بالواجب على اكمل وجه بتنسيق مع وزارة الصحة ووزارة الداخلية وسيتم تجهيز المؤسسات مثل ، قدوتنا فرنسا ، بالموارد اللوجيستيكية والبشرية اللازمة لتنزيل تعليم حضوري سليم من العدوى ؟
ثم نسأل السيد الوزير سؤالا أخيرا بصفته دكتورا في علم الفيروسات : اذا كان لا يجب على الأطفال من ست الى عشر سنوات وضع الكمامات لأنهم لا يتأثرون بالفيروس ، فهل حقا ليس لكم تخوف علمي من أن يكون هؤلاء الأطفال ذواتا ناقلة للفيروس للكبار كما أكد ذلك عالم الفيروسات الألماني “كريستيان دروستن” مدير معهد علم الفيروسات في مستشفى شاريتي في برلين في دراسته التي بيّن من خلالها بأنّ الأطفال قد ينقلون الفيروس تماما مثل البالغين ؟ ألا يُحتمل أن يكون هؤلاء التلاميذ رُسُلا لنقل الفيروس لآبائهم وأجدادهم عبر أياديهم أو ملابسهم أو أمتعتهم ؟
لننتقل الآن لمناقشة السيد الوزير من الزاوية التربوية التعليمية الصرفة بصفته مسؤولا عن قطاع التربية والتعليم فنقول بلسان الممارس والأب :
سيدي الوزير ، لا يختلف اثنان سواء من المدرسين أوالمتمدرسين أو الآباء أو المنظرين في علوم التربية بشأن عدم فعالية التعليم عن بعد وعدم قدرته تعويض التعليم الحضوري بصفة هذا الأخير وسطا اجتماعيا غنيا بالتفاعلات السيكوسوسيولوجية والمعرفية التي تحفز التحصيل العلمي وتخدم التنشئة الاجتماعية … وباعتبار أن التعليم عن بعد عاجز كل العجز عن بناء التعلمات بالشكل المطلوب خصوصا في المستويات الدنيا وعاجز كذلك عن تقييم مدى تمكن المتعلمين من الاستيعاب والتحصيل بشكل واقعي وموضوعي الى غير ذلك من السلبيات ، إضافة الى الاكراهات التقنية واللوجيستيكية التي لا يتسع المجال للخوض فيها بالتفصيل . واذا كنا قد اضطررنا لخوض تجربة التعليم عن بعد بشكل ارتجالي ودون توفر أي مقوم من مقوماته خلال الربع الأخير من السنة الدراسية الفارطة فلأن الوباء حل بشكل مفاجيء وكان من الضروري استكمال الموسم الدراسي الذي كان قد حصل فيه التلاميذ نسبة 75 في المئة من الدروس ومع ذلك أجمع الكل في النهاية على فشل التجربة ، وكاعتراف من الوزارة بهذا الفشل استغنت عن نقط المراقبة المستمرة خلال تلك التجربة التي فككت أسرا وخلقت توثرات نفسية واجتماعية واقتصادية داخل أخرى .
لذلك ، وفي غياب المقومات الحقيقية لاعتماد تعليم عن بعد يتسم بالعدالة التعليمية والنجاعة التربوية و يمكن اعتماد مخرجاته نسبيا في تطور تحصيل البرنامج الدراسي فلا يمكن الرهان عليه كصيغة تعليمية أساسية نريد من ورائها تحقيق شعاركم الجديد : “من أجل مدرسة متجددة ومنصفة ومواطنة ودامجة ” وما الى ذلك من الشعارات الرنانة .
سيقول قائل ، كما ستقولون طبعا سيدي الوزير : وما الحل اذا كان التعليم الحضوري سيهدد سلامة المواطنين ، والتعليم عن بعد غير ذي جدوى ؟ سنجيب بأن الأمر كذلك وبأن الحل يقتضي ابتكار خطة شمولية نافذة وجادة من طرف أهل العلم والاختصاص وأهل السلطة ، وليس بوضع الآباء والأطر التعليمية موضع الاختيار الملغوم ، وذلك من أجل محاصرة الوباء والتحكم فيه أولا في غضون شهرين او ثلاثة أشهر على الأكثر مع إزاحة الدخول المدرسي ليكون حضوريا متى تحسنت الأوضاع بكل جهة بقرار تتخذه السلطات الجهوية تكريسا للجهوية الموسعة بتنسيق مع السلطات المركزية ، طبعا ، ومع إمكانية اعتماد صيغة التواصل عن بعد مع المتعلمين للاستئناس والتوجيه والمراجعة فقط وليس لبناء التعلمات أو تقويمها وذلك دون اغفال اتخاذ إجراءات موازية في اطار العدالة التعليمية لضمان استفادة أغلب ، ان لم نقل كل ، المتعلمين من هذه الصيغة المؤقتة والممهدة لتعليم حضوري سليم .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

تنويه

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق